الإمارات والولايات المتحدة تعمّقان الشراكة في الذكاء الاصطناعي عبر اجتماع باكس سيليكا في واشنطن
في الثالث والعشرين من مارس 2026، توجّه وفد حكومي إماراتي إلى واشنطن للقاء نائب وزير الخارجية الأمريكي كريستوفر لاندو ومستشار التكنولوجيا في البيت الأبيض جاكوب هيلبرغ. تمحورت القمة حول تعزيز التعاون في مجال الذكاء الاصطناعي عبر مبادرة باكس سيليكا — التحالف الأمريكي الذي أُطلق رسمياً في يناير 2026 لتأمين البنية التحتية المادية لاقتصاد الذكاء الاصطناعي. ينصبّ جوهر مهمة باكس سيليكا على ضمان بقاء المكونات الحيوية لسلسلة توريد الذكاء الاصطناعي — من استخراج المعادن النادرة إلى تصنيع أشباه الموصلات المتقدمة وتغليف الرقائق — في أيدي دول حليفة موثوقة، مما يُقلّص الاعتماد الاستراتيجي على سلاسل توريد تمر عبر دول غير موائمة أو تنافسية. ومع تزايد اتكاء الذكاء الاصطناعي على طاقة تصنيعية مركّزة جغرافياً، يمثّل هذا التحالف أبرز جهد متعدد الأطراف حتى اليوم لبناء شبكة بنية تحتية للذكاء الاصطناعي صامدة ومبنية على دول موثوقة.
لا يُعدّ باكس سيليكا مجرد إعلان دبلوماسي؛ فتحالف صناديق الثروة السيادية والمستثمرين المؤسسيين المؤسسين — الذي يضم كيانات سيادية إماراتية — يُشرف على أصول تتجاوز تريليون دولار من الأصول المُدارة. وقد أنشأت وزارة الخارجية الأمريكية صندوق باكس سيليكا المخصص بقيمة 250 مليون دولار لتمويل استثمارات استراتيجية في المعادن والطاقة وطاقة التصنيع. وأشار البيت الأبيض إلى استعداده للإعلان عن 'المرحلة الرئيسية التالية' في المبادرة في الأسابيع التالية لاجتماع الثالث والعشرين من مارس — إشارة إلى أن التحالف ينتقل من الإطار إلى الاستثمار الفعلي المنتشر. وبالنسبة للإمارات التي التزمت بإنتاج ما يقارب 60 تريليون رمز ذكاء اصطناعي سنوياً عبر مجموعة ستارغيت في أبوظبي، يضعها الانضمام إلى باكس سيليكا في موقع عقدة جوهرية في شبكة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي الغربية المتوافقة.
يأتي هذا الاجتماع في سياق تنافس متصاعد بسرعة على السيادة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. فقد دفعت استثمارات الصين في قدراتها المحلية لأشباه الموصلات — بما فيها معدات تصنيع الرقائق وإنتاج ذاكرة النطاق الترددي العالي والتغليف المتقدم — الحكومات الغربية نحو تسريع تنويع سلاسل التوريد. ويعمل باكس سيليكا باعتباره استجابة حلّ الطلب لهذا التحدي: بدلاً من محاولة إنفاق الخصوم في تصنيع الرقائق، يركّز التحالف أكثر أصول سلسلة التوريد حساسيةً من الناحية الاستراتيجية — الموانئ والمعادن والطاقة ومرافق التغليف — في شبكة دول متوافقة قادرة على التنسيق في التخصيص والتسعير والوصول. ومزيج الإمارات من رأس المال السيادي والموقع الجغرافي الاستراتيجي على مفترق ممرات الشحن الرئيسية والشراكات التكنولوجية القائمة مع مايكروسوفت ونفيديا ومختبرات الذكاء الاصطناعي الأمريكية الرائدة يجعلها مشاركاً فريداً وبالغ المصداقية في هذا التحالف.
بالنسبة للمؤسسات والجهات الحكومية العاملة في الإمارات، يحمل اجتماع الثالث والعشرين من مارس تداعيات عملية تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من الجيوسياسة. تمنح عضوية باكس سيليكا الإمارات نفوذاً تفاوضياً على تخصيصات وحدات معالجة الرسومات المتقدمة وشروطاً مواتية في اتفاقيات توريد الرقائق — والأهم — قدراً أكبر من السيادة على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي التي ستُشغّل عمليات النشر على المستوى الوطني. وتُعدّ مبادرة ستارغيت الإماراتية — التي تنشر أكثر من 35,000 وحدة معالجة رسومات من سلسلة بلاك ويل في أبوظبي مع توسعة مخططة لتجاوز 200 ميغاوات من الطاقة بحلول نهاية 2026 — بالفعل أكثر مجموعة حوسبة سيادية للذكاء الاصطناعي كثافةً خارج الولايات المتحدة. وتعزز عضوية باكس سيليكا أمن هذه البنية التحتية واستمراريتها، مما يوفر للمنظمات التي ربطت استراتيجياتها التحويلية بالحوسبة المستضافة في الإمارات أساساً جيوسياسياً مستقراً يصعب تكراره في أماكن أخرى.
يُفيد التوافق بين البنية التحتية الإماراتية للذكاء الاصطناعي والمصالح الاستراتيجية الأمريكية بشكل مباشر مطوري ومنظمات الذكاء الاصطناعي المؤسسي العاملة في المنطقة. فمنصات مثل DivergeGPT وDivergeInsight من دايفرج تعمل على الأساس الحوسبي ذاته الذي يسعى باكس سيليكا إلى تأمينه — مما يمنح عمليات نشر الذكاء الاصطناعي القائمة على الإمارات ضماناً استراتيجياً لسلاسل التوريد لم يكن متاحاً فعلياً حتى عام 2024. ومع تنافس الحكومات عالمياً على تحديد مواقعها في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، يوفر اندماج الإمارات المبكر والعميق في التحالفات التكنولوجية الأمريكية لعملاء المؤسسات إمكانية التنبؤ بالبنية التحتية التي يتزايد ندرتها في أسواق ذات توافق جيوسياسي أقل وضوحاً.
تكمن الأهمية الأعمق لاجتماع الثالث والعشرين من مارس في واشنطن فيما تشير إليه حول مسار الإمارات بوصفها طرفاً فاعلاً في حوكمة الذكاء الاصطناعي العالمية — لا مجرد مستثمر تكنولوجي أو مستهلك. ومع استعداد البيت الأبيض لإضفاء الطابع الرسمي على المرحلة التالية من باكس سيليكا، تتقدم الإمارات لتؤثر في آليات التعاون بين الدول الحليفة في معايير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وآليات توزيع الرقائق وأطر حوكمة الذكاء الاصطناعي السيادية التي ستشكّل المشهد التكنولوجي حتى نهاية العقد. بالنسبة لصانعي قرار التكنولوجيا والحكومة في منطقة الخليج، الرسالة لا لبس فيها: طموح الإمارات في الذكاء الاصطناعي مدعوم بتحالفات استراتيجية ذات تداعيات أمنية وأهمية حقيقية لسلاسل التوريد، والمؤسسات التي تُوائم استراتيجياتها في نشر الذكاء الاصطناعي مع هذا الإطار ستعمل من أساس استقرار طويل الأمد يندر تقديمه في الأسواق المنافسة.
المصدر: ذا ناشيونال